أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

170

نثر الدر في المحاضرات

وقال آخر : السلطان إن أرضيته أتعبك ، وإن أغضبته أعطبك . قالوا : ينبغي للملك أن يتفقّد أمر خاصته في كل يوم ، وأمر عامّته في كلّ شهر ، وأمر سلطانه في كلّ ساعة . قال بعضهم : إذا كنت حافظا للسّلطان في ولايتك ، حذرا منه عند تقريبه لك ، أمينا له إذا ائتمنك ، تشكر له ولا تكلّفه الشكر لك ، تعلّمه وكأنّك تتعلم منه ، وتؤدّبه وكأنّه يؤدّبك ، بصيرا بهواه ، مؤثرا لمنفعته ، ذليلا إن ضامك ، راضيا إن أعطاك ، قانعا إن حرمك ، وإلّا فابعد منه كلّ البعد . قال حكيم : محلّ الملك من رعيّته محلّ الرّوح من البدن ، ومحلّ الرعيّة منه محل البدن من الرّوح . فالروح تألم لألم كلّ عضو من أعضاء البدن ، وسائره لا يألم لألم غيره ، وفي فساد الروح فساد جميع البدن ، وقد يفسد بعض البدن وغيره من سائر البدن صحيح . قال سهل بن هارون : ينبغي للنديم أن يكون كأنّما خلق من قلب الملك ؛ يتصرف بشهواته ، ويتقلّب بإرادته ، إذا جدّ جد ، وإذا تطلّق تطلق ، لا يمل المعاشرة ، ولا يسأم المسامرة ، إذا انتشى تحفّظ ، وإذا صحا تيقّظ . ويكون كاتما لسره ، ناشرا لبره ، ويكون للملك دون العبد ؛ لأنّ العبد يخدم نائبا والنّديم يحضر دائبا . كان مسروق بن الأجدع ، ينهى عن عمل السلطان ، فدعاه زياد وولاه السلسلة ، فقيل له في ذلك ، فقال : اجتمع عليّ زياد وشريح والشّيطان ، فكانوا ثلاثة وكنت واحدا فغلبوني . قيل لبعض من يتصرّف مع السلطان : لا تصحبهم ؛ فإنّ مثلهم مثل قدر أسود كلما مسّه إنسان سوّده . فقال : إن كان خارج القدر أسود فإنّ داخله لحم سمين ، وطعام لذيذ . كان يقال : لا سلطان إلّا برجال ، ولا رجال إلّا بمال ، ولا مال إلّا بعمارة ، ولا عمارة إلّا بعدل وحسن سياسة . قال بعض الملوك في خطبة : إنما نملك الأجساد لا النيّات ، ونحكم بالعدل